الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) - ج 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) - ج 2

مُساهمة من طرف أبو أحمد في 20/12/12, 07:30 pm




اعتراض باطل:

ويتسائل البعض: يجب على القائد أن يستجيب في أعماله لمتطلّبات المجتمع، إذن فلماذا لم يهتمّ الإمام (عليه السلام) برغبة الشّيعة في الحرب ضدّ معاوية؟

ونجيب: لانّ مواصلة الحرب، لم تكن في صالح الإسلام والمسلمين، فلا يصلح للإمام (عليه السلام) أن يستجيب لرغباتهم ومتطلّباتهم.
وأساساً، فإنّ قيادة الإمام، في المعتقد الشّيعي، قيادة إلهيّة، نظير قيادة الأنبياء، وذلك لانّ الامام، مرتبط بالله، ويحدّد مصالح المجتمع ومتطلّباته على هذا الأساس، وما يحدّده هو الحقّ.

وكثيراً ما كان يعمل النَّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) عملاً، ولكنّ النّاس حين ممارسة العمل، لا يدركون المصلحة فيه، وبعد مرور الايّام، يكتشفون عمق المصلحة فيه، ولزوم ممارسته.

فقد خرج النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة قاصداً زيارة بيت الله الحرام مع المسلمين، وحين بلغ الحديبيّة منعته قريش من الدّخول لمكّة، وذلك لانّ دخول النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه، بدون إذنهم المسبق، كان يعدّ جرحاً لكرامتهم، وتحدّياً سافراً لهم.

واستمرّت اللقاءات والمذاكرات بينهم، وأخيراً توصّلوا إلى عقد الصّلح بين المسلمين وقريش، لمدّة ثلاث سنوات، والالتزام بهذه البنود:

1 ـ أن تضع قريش في السّنة القادمة بيت الله لمدّة ثلاثة أيّام تحت تصرّف المسلمين واختيارهم، حتّى يمكن للمسلمين ممارسة أعمالهم ومناسكهم بكلّ حرّيَّة.

2 ـ أن لا يكون هناك أيّ نزاع بين قريش والمسلمين لمدّة ثلاث سنوات، وأن يسمح للمسلمين الدّخول لمكّة، أو الخروج منها، دون أن يتعرّض إليهم(40).

3 ـ أن يمكن للمسلمين القاطنين في مكّة ممارسة أعمالهم ووظائفهم الدّينيّة بصورة علنيّة.

4 ـ إنّما يلتزم بهذه البنود، بشرط واحد، وهو أن يردّ المسلمين لمكّة، كلّ شخص يفرّ من مكّة من أجل اللّجوء للمدينة، بينما لا يلزم على قريش أن يردّوا كلّ شخص يفرّ من المدينة إلى مكّة(41).



وقد أمضى الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بنود هذا الصّلح، ولكنّ المسلمين أغاضهم البند الأخير، ولم يخضعوا للصّلح(42)، وكان عمر أشدّ المعارضين، فقال رسول الله: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني»(43).

وهكذا كان، فقد انكشفت للجميع الفوائد والمصالح الكامنة في هذا الصّلح، إذ أنّه نتيجة لاخماد نار الحرب، والتقاء المسلمين بالمشركين واختلاطهم بهم، أدّى إلى أن يتعرّف المشركون على حقيقة الإسلام، ونفوذ الإسلام إلى قلوبهم، بحيث اعتنق الكثير منهم الاسلام، فلم يمرّ وقت طويل من عقد الصّلح، حتى كان الإسلام هو الدّين العامّ لأهل مكّة(44).

يقول الزّهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبيّة، وذلك لانّ المشركين إختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.

وقال ابن هشام: والدّليل على قول الزّهري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى الحديبيّة في ألف وأربع مئة، ثمّ خرج عام فتح مكّة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف(45).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): « ما كانت قضيّة أعظم بركة منها »(46).

إذن فالّذين يؤمنون حقّاً بإمامة الائمّة الطّاهرين (عليهم السلام)عليهم أن لا يعترضوا على صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، كما لم يعترض على صلح النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قريش.

ولكنّ بعض الشّيعة، لقصورهم، إعترضوا على الإمام (عليه السلام) كما اعترض بعض المسلمين على النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجابهم الإمام (عليه السلام)، بأن لا يتدخّلوا في شؤون الإمام (عليه السلام)، لانّ أعماله تجري وفق المصالح الحقيقيّة، وإن لم يفهم الاخرون أسرارها.

عن أبي سعيد عقيصا: قال، قلت للحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يا ابن رسول الله، لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أنّ الحقّ لك دونه، وأنّ معاوية ضالّ باغ؟

فقال: « يا أبا سعيد، ألستُ حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام) قلت: بلى، قال: ألست الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية، علّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني ضمرة، وبني أشجع، ولاهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة، أولئك كفّار بالتَّنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتّأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً.

ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمّا خرق السّفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولو لا ما أتيت لما ترك شيعتنا على وجه الارض أحد إلاّ قتل »(47).



معاوية ينقض العهد:-

وقد كشف معاوية ـ بعد أن أمسك بمقدّرات الأمور ـ عن وجهه الحقيقيّ البشع، فقد ذكر في خطاب له في النّخيلة بعد الهدنة: ـ إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لا تأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له(48).

ولكن عمليّاً، كان يلاحظ أحياناً جانب الإمام (عليه السلام) لنفوذ شخصيّته بين المسلمين كما يذكر ذلك إبن أبي الحديد: « طلب زياد رجلاً من أصحاب الحسن (عليه السلام)، ممّن كان في كتاب الامان، فكتب اليه الحسن(عليه السلام): « من الحسن بن عليّ إلى زياد، أمّا بعد، فقد علمت ما كنّا أخذنا من الامان لاصحابنا، وقد ذكر لي فلان أنّك تعرّضت له، فأحبّ ألاّ تعرضنّ له إلاّ بخير والسّلام».

ولكنّ زياد لم يخضع لأمر الإمام (عليه السلام) فكتب إليه:... وايم الله لاطلبنّه بين جلدك ولحمك...

فلمّا قرأ الحسن (عليه السلام) الكتاب بعث به إلى معاوية، فلمّا قرأه غضب، وكتب:... إنّ الحسن بن عليّ (عليه السلام) كتب إليّ بأنّك عرضت لصاحبه، فلا تعرضنّ له فإنّي لم أجعل لك عليه سبيلاً(49).



العودة إلى المدينة:

واستخدم معاوية شتّى الأساليب في أذى الإمام (عليه السلام)، ومطاردة أتباعه، ومراقبتهم بشدّة، وكان يستهين الإمام عليّاً (عليه السلام) وأبناءه البررة (عليهم السلام)، وربّما شتم الإمام عليّ (عليه السلام) في مجلس يحضره الإمام الحسن (عليه السلام) (50)، وإن كان الإمام (عليه السلام) يجيب على شتائمه على الفور، جواباً حاسماً لاذعاً، ولكنّ بقاء الإمام (عليه السلام) في الكوفة كان مؤلماً وموجعاً له، لذلك عاد إلى المدينة، ولكنّ هذه العودة لم تؤثّر شيئاً في تغيير الظّروف السّيّئة التي يواجهها الإمام وأنصاره، وذلك لانّ والي المدينة، كان من أبشع عمّال معاوية وهو مروان، هذا الشّخص الّذي يقول النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: « هو الوزغ إبن الوزغ، المعلون إبن الملعون»(51)، فقد ضيق على الإمام (عليه السلام)، وفرض عليه رقابة مشدّدة، وكذلك على أتباع الإمام (عليه السلام) وأنصاره، وحتّى زياراتهم ولقاءاتهم بالامام كانت محرجة لهم، ولذلك، وبالرّغم من بقاء الإمام (عليه السلام) في المدينة عشر سنوات، ولكنّ التزوّد من نمير علومه ومعارفه كان قليلاً، لذلك كانت الرّوايات المرويّة عن الإمام الحسن (عليه السلام) قليلة جدّاً.

وكان مروان يحاول الاستهانة بإلمام عليّ (عليه السلام) أمام الإمام الحسن (عليه السلام)، وربّما حرّض البعض على الاستهانة بالإمام الحسن نفسه(52).

وبعد مروان، أيضاً، نهج سائر عمّال المدينة بنهج مروان في الاستهانة بالإمام وأذاه.



الشّهادة:

إنّ معاوية لم يكن مستعدّاً للتّنازل عن الخلافة للإمام الحسن (عليه السلام)، متذرّعاً بصغر سنّ الإمام (عليه السلام)، ولكنّ هو نفسه، سعى جاهداً في تثبيت دعائم ولاية العهد لولده المجرم الفاجر يزيد، حتّى لا تواجه خلافته المشاكل والتحدّيات بعد موته.

وكان يرى في وجود الإمام الحسن (عليه السلام) عقبة كأداء في هذا السّبيل، لانّه كان يعتقد بأنّه بعد هلاكه، سيتّجه النّاس للإمام (عليه السلام)، لنفرتهم وإستيائهم من بني أميّه وأبناء معاوية، ومن هنا إستخدم شتّى الاساليب الجهنّميّة، للقضاء على الإمام الحسن (عليه السلام) وأخيراً، استشهد الإمام (عليه السلام) في (28) صفر سنة (50) هجريّة، بسبب السّمّ الّذي دسّه إليه معاوية، ودفن في مقبرة البقيع في المدينة، سلام الله عليه(53).



__________________المصادر __________________

(1) ـ الإرشاد للمفيد، ص169، وقد ذكر الكليني ان ولادته في السّنة الثّانية للهجرة.

(2) ـ البحار، ج43، ص238.

(3) ـ دلائل الإمامة للطّبري، ص60.

(4) ـ تاريخ الخلفاء، ص188.

(5) ـ البحار، ج43، ص264.

(6) ـ تاريخ الخلفاء، ص189.

(7) ـ البحار، ج 43، ص278.

(8) ـ الطّبقات الكبرى، ج1، ص33.

(9) ـ غاية المرام، ص287.

(10) ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص260 ـ 261.

(11) ـ الطّبقات الكبرى، ج3، ص20.

(12) ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص396 ـ 399.

(13) ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج1، ص444.

(14) ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج1، ص479.

(15) ـ أصول الكافي، ج1، ص297 ـ 298.

(16) ـ البحار، ج43، ص331.

(17) ـ تاريخ الخلفاء، ص190.

(18) ـ البحار، ج43، ص342 ـ 343.

(19) ـ البحار، ج43، ص332.

(20) ـ البحار، ج43، ص344.

(21) ـ تاريخ الخلفاء، ص191.

(22) ـ سورة الشّورى، آية 23.

(23) ـ الإرشاد للمفيد، ص169 ـ 170.

(24) ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج16، ص35.

(25) ـ البحار، ج44، ص33.

(26) ـ شرح نهج البلاغة، إبن أبي الحديد، ج16، ص37 ـ 40.

(27) ـ الإرشاد للمفيد، ص171.

(28) ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص214.

(29) ـ الإرشاد للمفيد، ص172.

(30) ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص214.

(31) ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص215.

(32) ـ الإرشاد للمفيد، ص172 ـ 173 وحياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج2 ص100.

(33) ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص204 ـ 207.

(34) ـ الإرشاد للمفيد، ص173.

(35) ـ البحار، ج44، ص2 ـ 3.

(36) ـ البحار، ج44، ص65.

(37) ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج2، ص108.

(38) ـ البحار، ج44، ص62.

(39) ـ الكامل لابن الأثير، ج3، ص409.

(40) ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص54 ـ 55.

(41) ـ البحار، ج20، ص367 ـ 368.

(42) ـ البحار، ج20، ص350.

(43) ـ سيرة إبن هشام، ج4، ص317.

(44) ـ البحار، ج20، ص368.

(45) ـ سيرة ابن هشام، ج4، ص322.

(46) ـ البحار، ج20، ص368.

(47) ـ البحار، ج44، ص2.

(48) ـ البحار، ج44، ص49.

(49) ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج16، ص18 ـ 19.

(50) ـ الإرشاد للمفيد، ص173.

(51) ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص218.

(52) ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص190.

(53)ـ مروج الذّهب، ج2، ص427 ودلائل الإمامة، ص60. وغيرها من المصادر، وفي تاريخ وفاته أقوال أخرى، يمكن مراجعتها في تاريخ الخلفاء، ص192


مؤسسة الامام الكاظم عليه السلام
avatar
أبو أحمد
------------------
------------------

برج الحوت عدد المساهمات : 1005
نقاط : 2928
تاريخ التسجيل : 26/12/2010
الموقع : العراق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى